محمد غازي عرابي

640

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

سابق على الوجود ، وإن الوجود مفرغ في هذا الفكر وهو له ظهور ، واللّه سبحانه فكر خالص أوجد الفكر الجزئي ومده بمدد من عنده فشع الفكر الجزئي بحرارة من الفكر الخالص وبقوة منه هي قوة الروح ، ولا تزال العلماء حتى عصرنا هذا يجهلون سبب حركة المادة ونشاط الدماغ وحركة القلب . فظلم القرية يعني كون أهلها ظالمين ، وأهل القرية بمثابة الحواس ظاهرة وباطنة وخاصة الباطنة حيث يظن الإنسان أنه هو الذي يتخيل ويتذكر ويتوهم ويفكر ويحلل ويستنتج ويستنبط ، علما أن زيادة درجات في حرارة جسمه تعطل معظم حواسه وقد تلغيها وقد تميتها ، فالإنسان ضيف في مضافة جسمه يقدم له الزاد من المعلومات سواء عن طريق الانطباعات الحسية أو عن طريق الحدس العقلي الذاتي ، حتى إذا آن الأوان ، وأتى أمر اللّه جعل اللّه الجسم وقواه أثرا بعد عين ، واسترد اللّه عاريته بل عواريه من القوى والإمكانات ، وهذا ما يحدث للإنسان العادي لدى موته . . أما العارفون فهم يعيشون ضربا آخر من الموت سميناه الموت المعنوي ، إذ يشاهد العارف بعين بصيرته كيف يكون ضيفا في هذا الندي الإلهي الوجودي الكبير فيعلن من ثم قائلا سبحان من سخر لنا هذا ، لا إله إلا اللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه . . . ثم يرفع العارف راية الفقر شعارا له باعتبار الإنسان فقيرا إلى اللّه على الحقيقة ليس له من دونه شفيع ولا نصير . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 50 ] فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 50 ) [ الحج : 50 ] المغفرة غفران ذنب الوجود ، وهو ما تسميه الفلاسفة وشعراء الغرب والمسيحيون الخطيئة الأولى ، فما لم يمح اللّه أنا الإنسان بظهور أناه هو فإن العبد يظل محجوبا عن الحقيقة الإلهية وعن الوجود الحق العظيم . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 51 ] وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 51 ) [ الحج : 51 ] كل سعي في آيات اللّه معاجزين أي رمي اللّه بالعجز هو الحجاب الأكبر ، إذ في الحوار إثبات وجود تصرف في ملك ليس للإنسان بما في ذلك الفكر ، وتكون النتيجة أن ما يتسلح به الإنسان من منطق ينقلب عدوا له باعتبار اللّه هو الماكر ، وهو خير الماكرين ، وهو حقيقة الفكر المحاور نفسه ، وتكون نهاية المحجوب شبيهة بحال القط الذي دخل دكان نجار فجعل يلحس المبرد ، فخرج دمه ، فذاقه ، فاستلذه ، فظل يلحس حتى قضى بنفسه على نفسه . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 52 ] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 ) [ الحج : 52 ] دور الشيطان الإبعاد وإثبات الأنا الجزئي وهذا ما بيناه من قبل ، واللّه حين يوحي إلى